فخر الدين الرازي
152
الأربعين في أصول الدين
المسألة الثامنة في أنه تعالى ليس في مكان ولا في جهة أعلم : أن كثيرا ممن يثبت كونه تعالى في الجهة ، يزعم أن كل موجودين متحيزين « 1 » فلا بد وأن يكون أحدهما ساريا في الآخر ، مثل العرض والجوهر ، أو يكون مباينا عن الآخر في الجهة ، مثل موجودين يكون كل واحد منهما قائما بالنفس . ويدعى أن العلم بأن كل موجودين فلا بد وأن يكونا على أحد هذين القسمين علم ضروري ، فان العلم بامتناع وجود موجودين ، لا يكون أحدهما ساريا في الآخر ، ولا مباينا عنه في الجهة : علم ضروري بديهي ، لا يقبل الشك واعلم : أنا نحتاج إلى أن نبين أن هذه المقدمات « 2 » ليست بديهية . والّذي يدل عليه وجوه : الحجة الأولى : ان العلوم البديهية لا يجوز وقوع الاختلاف فيها للجمع العظيم . فلو كان وقوع هذه المقدمة بديهيا ، لامتنع اطباق الجمع العظيم على انكاره . ونرى جمهور الأذكياء من العقلاء متفقين على بطلان هذه المقدمة ، فان اثبات الجهة للّه تعالى ، لم يقل به الا الحنبلة والكرامية . وأما كل من سواهم فهم متفقون على أن ذاته سبحانه وتعالى منزه عن الاختصاص بالحيز والجهة ، نظهر أن هذه المقدمة لبست بديهية .
--> ( 1 ) موجودين فلا بد : ا ( 2 ) المقدمة : ب .